يحكى في المثل الدارج: أن أعمى ذهب إلى الأطباء واحداً تلو الآخر، يريد أن يشفى ليتمكن من إبصار العالم، فتمكن طبيب حاذق من إعادة الرؤية للأعمى لبضع ثوان، ولم ير في تلك الثواني سوى عين ديك صادف أن كان أمامه، ثم عاد إليه العمى. بعد تلك الحادثة صارت عين الديك هي معيار كل شيء، فإذا حدثوه عن شكل قوس قزح، أو جمال الوردة، أو أناقة الفراشة، بادر بسؤالهم: أين هي من عين الديك!
صارت قصة هذه الأعمى مثلاً يطرح عندما ينحصر تفكير الشخص أو رؤيته في إطار ضيق محدود لا يستطيع تجاوزه. ولا عجب، فالكثير من الرؤى والأفكار المتقوقعة ليست بعيدة عن حال صاحبنا الذي لم تحتفظ ذاكرته البصرية إلا بمنظر واحد هو عين الديك الصغيرة السوداء.
عندما تتصفح رؤى البعض الدينية أو الفقهية أو الفكرية والاجتماعية تجدها لم تتجاوز حدود عين الديك. وكل رأي جديد عليه يحيله إلى معيار واحد هو عين الديك. فإن حدثته عن فكرة جديدة، بادر بإنكارها وتقويضها، وبادر بدحضها لا لشيء إلا لأنها لم تتفق وخياله الضيق، ومساحة رؤيته المحدودة.
قد يعذر الناس على الانغلاق في الرؤية حينما كانت النافذة على الآخر محدودة، لكن مع عصر الانفتاح الشامل، لا يمكننا أن نبقي آراءنا محصورة بمقاسات ضيقة، وإلا فاتنا الركب. ها هي الدول التي بدأت بعدنا بسنين طويلة نهضت فجأة واستطاعت أن تثبت نفسها من بين بلدان العالم، أن تنهض باقتصادها، وفكرها وثقافتها، أن تتحرر من هيمنة الرؤى المحدودة، وأن تتوسع في رؤية العالم واستيعابه. بينما نحن لا زلنا نجادل في مسائل صغيرة ليست من ثوابت الإسلام ولا مقاصده، لغرض إيقاف عجلة التقدم، بسبب رؤى تخلقت في رحم الانغلاق، وتمددت في قوالب صغيرة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: إن علامة تقدم أي مجتمع في مساحة خياله الخصب الذي يمنح ذهنه مساحة للتحرك والتأمل، بعيداً عن الحدود الصلبة التي تحد من مدى الرؤية. إن عيون الديك تحاصر الكثيرين وتمنعهم من إدراك صور أخرى، تزيل عنهم غشاوة العمى، وتمنحهم فرصة الاطلاع على أشكال هي أجمل بكثير من كل أعين الديكة في كل أنحاء العالم.